وفد الجائزة في ريو دي جانيرو: ندوتان في المكتبة الوطنية، ولقاءات مع الناشرين، وزيارات لأبرز المؤسسات الحافظة للتراث الثقافي البرتغالي
ريو دي جانيرو – واصل وفد الجائزة جولته التعريفية إلى البرازيل بزيارة مدينة ريو دي جانيرو، حيث شملت لقاءً مع دار تابلا للنشر وزيارة رسمية إلى المكتبة الوطنية البرازيلية التي احتضنت ندوتين حول الترجمة والحوار الثقافي، أعقبتهما زيارة لصالون القراءة الملكي البرتغالي، وذلك ضمن جهود التعريف بالجائزة في أوساط المترجمين والناشرين الناطقين بالبرتغالية استعدادًا لدورة عام 2027.
وتأتي الزيارة في سياق علاقات ثقافية متنامية بين دولة قطر والبرازيل اللتين تجمعهما علاقات دبلوماسية منذ عام 1974، وقد شهد عام 2014 تنظيم العام الثقافي قطر-البرازيل الذي أطلقته متاحف قطر لتعزيز الروابط الثقافية بين البلدين.
لقاء مع دار تابلا للنشر
استهل الوفد برنامجه في المدينة بلقاء السيدة لاورا دي بيترو المؤسس ومدير التحرير في دار تابلا للنشر، وهي دار برازيلية متخصصة في نشر الأدب العربي مترجمًا إلى البرتغالية، صدرت عنها ترجمات لأعمال عدد من الكتّاب العرب.
وتناول اللقاء تجربة الدار في انتقاء الأعمال العربية وتقديمها إلى القارئ البرازيلي وسبل التعاون مع الجائزة في الوصول إلى المترجمين الذين تتعاون معهم الدار وتشجيعهم على الترشح لدورة 2027. وأكد أعضاء الوفد أن الناشر المتخصص يؤدي دورًا حاسمًا في استمرار حركة الترجمة، بصفته الشخص الذي يأخذ زمام المبادرة ويراهن على العمل المترجم ويوصله إلى القرّاء بإتقان.
المكتبة الوطنية البرازيلية
وفي المكتبة الوطنية البرازيلية، كبرى مكتبات أمريكا اللاتينية، استقبل الوفدَ الدكتور ماركو لوكيزي، رئيس المكتبة وعضو الأكاديمية البرازيلية للآداب، ورافقه في جولة اطّلع خلالها على أقسام المكتبة وعدد من مقتنياتها ومنها ما يتصل بالعالم العربي، إذ تحتفظ المكتبة بصور وكتب ومذكرات عاد بها الإمبراطور البرازيلي دوم بيدرو الثاني من رحلتيه إلى المشرق العربي عامي 1871 و1876، كما تضم خرائط قديمة لدولة قطر والخليج العربي.
ندوتان حول الترجمة والحوار الثقافي
وعقب الجولة، شهدت المكتبة ندوتين متتاليتين تحدث في الأولى الدكتور محمد الأحمري، المدير العام للجائزة، والدكتور ماركو لوكيزي، رئيس المكتبة، وتناولا دور الترجمة في مدّ الجسور بين الثقافتين العربية والبرازيلية وإسهام المكتبات في صون الإرث الثقافي المشترك وإتاحته للقرّاء والباحثين.
أما الندوة الثانية فتحدثت فيها الدكتورة صفاء جبران، الفائزة بالجائزة عام 2019، فيما شاركت فيها عن بُعد المترجمة جيميما ألفيس، واستعرضت المتحدثتان تجربتيهما في ترجمة الأدب العربي والتحديات التي تواجه نقل خصوصية النص العربي إلى لغات أخرى وأثر الجوائز المتخصصة في دعم المترجمين والتعريف بأعمالهم.
صالون القراءة الملكي البرتغالي
وفي إطار الاطلاع على التراث الثقافي في البرازيل، زار الوفد صالون القراءة الملكي البرتغالي، أحد أبرز الصروح الحافظة لتراث هذه اللغة خارج موطنها الأم، إذ أسسه مهاجرون برتغاليون في ريو دي جانيرو عام 1837، ويضم أكبر مجموعة من الأدب البرتغالي خارج البرتغال، ومن بين مقتنياته طبعة أولى صدرت عام 1572 من ملحمة "اللوسياد" للشاعر لويس دي كامويش، التي تُعد الملحمة الوطنية للبرتغال وأحد أعمدة الأدب المكتوب بالبرتغالية.
وأتاحت الزيارة للوفد الاطلاع عن قرب على عمق الموروث الأدبي للغة البرتغالية، التي يحمل معجمها مئات المفردات ذات الأصول العربية الشاهدة على قرون من التفاعل بين الثقافتين، وهو تفاعل تسعى الجائزة إلى تجديده اليوم بتشجيع الترجمة بين اللغتين وتكريم المبدعين فيها. كما شملت جولة الوفد عددًا من أبرز المعالم الثقافية والسياحية في المدينة.
من العربية إلى البرتغالية: ترجمات مؤسِّسة
وتستحضر زيارة هاتين المكتبتين العريقتين – اللتين تحفظان جانبًا واسعًا من ذاكرة الكتاب في البرازيل – المحطات الكبرى التي عبر خلالها التراث العربي والإسلامي إلى اللغة البرتغالية، وفي طليعتها ترجمة معاني القرآن الكريم وترجمة مقدمة ابن خلدون، وهما عملان تأسيسيان أتاحا للقارئ الناطق بالبرتغالية الوصول إلى معاني الكتاب الذي قامت عليه الحضارة العربية الإسلامية، وإلى أحد أبرز ما أنتجته هذه الحضارة في فهم التاريخ والعمران البشري.
وتبرز في هذا السياق جهود المترجم سمير الحايك في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى البرتغالية، وهي من أوائل الترجمات الكاملة التي صدرت في البرازيل وتعد الترجمة المعتمدة للقرآن بالبرتغالية إذ عمل عليها نحو عشر سنوات حتى صدرت طبعتها الأولى عام 1974، ثم توالت طبعاتها على مدى العقود التالية، لتشكّل إسهامًا بارزًا في إتاحة معاني القرآن الكريم للقارئ الناطق بالبرتغالية.
أما مقدمة ابن خلدون، أحد أبرز مؤلفات الفكر الإنساني في التاريخ والاجتماع، فقد نقلها إلى البرتغالية جوزيه خوري وأنجلينا بيرينباخ خوري في ترجمة كاملة عن العربية مباشرة صدر جزؤها الأول في ساو باولو عام 1958 عن المعهد البرازيلي للفلسفة. ولا تزال هذه الترجمة الوحيدة للمقدمة عن العربية مباشرة في البرازيل، وقد صدرت منها عام 2023 طبعة جديدة منقحة بتقديم الدكتور جميل إبراهيم إسكندر، الأستاذ في جامعة ساو باولو الفيدرالية بعد أكثر من ستة عقود على صدورها الأول.
وتكشف هاتان التجربتان أن نقل النصوص العربية الكبرى إلى البرتغالية ظل في الغالب ثمرة جهود فردية امتدت سنوات طويلة، وهو ما يمنح الجوائز المتخصصة دورًا محوريًا في تقدير هذه الجهود، وتحفيز جيل جديد من المترجمين على مواصلتها.
حصيلة الزيارة
وباختتام محطة ريو دي جانيرو يكون الوفد قد أحاط خلال زيارته إلى البرازيل بالحلقات الأربع التي تقوم عليها منظومة الترجمة من العربية وإليها، والتي تتكامل أدوارها في صناعة الكتاب المترجم وإيصاله إلى القارئ وهي: المؤسسات المعنية بالعلاقات العربية البرازيلية ممثلة بالغرفة التجارية العربية البرازيلية والبيت العربي ومعهد الثقافة العربية؛ والجامعات التي تُعدّ المترجمين والباحثين ممثلة بجامعة ساو باولو وجامعة ساو باولو الفيدرالية؛ وقطاع النشر ممثلًا بدار تابلا؛ ومؤسسات حفظ الذاكرة الثقافية ممثلة بالمكتبة الوطنية البرازيلية وصالون القراءة الملكي البرتغالي.
وقد أتاح هذا التنوع للجائزة أن تعرض رسالتها وفئاتها ومعاييرها أمام مختلف الأطراف التي يستند إليها مستقبل الترجمة بين اللغتين، بدءًا بالمترجم الذي ينقل النص، مرورًا بالأكاديمي الذي يُعدّ المترجمين والناشر الذي يراهن على العمل المترجم، وصولًا إلى المؤسسة التي تحفظه وتتيحه للقرّاء. كما أتاح لها الاستماع مباشرة إلى تجارب المترجمين في البرازيل والتحديات التي تواجههم والوقوف على حاجات هذا المجال في البلاد.
وتنقل الزيارة علاقة الجائزة بالبرازيل من صلة قامت على مشاركات فردية، أبرزها فوز الدكتورة صفاء جبران عام 2019، إلى شبكة علاقات مؤسسية يمكن البناء عليها في التعريف بالجائزة واستقطاب الترشيحات المتميزة لدورة 2027، وفي استكشاف مجالات تعاون مستقبلية في الترجمة والنشر والبحث الأكاديمي.
وتجسّد الجائزة بهذه الزيارة – كما في مختلف جولاتها التعريفية – الدور الحضاري والريادي لدولة قطر في دعم الحوار بين الثقافات وتعزيز حضور اللغة العربية وثقافتها في العالم، باحتفائها بالمترجمين الذين ينقلون نصوصها الكبرى إلى لغات الشعوب الأخرى، ومدّ الجسور نحو المؤسسات الثقافية في مختلف القارات.